GuidePedia

0

التعليم والتربية؛ وسيلتان لا غنى عنهما للإنسان الساعي إلى الكمال الموجب للسعادة الحقيقية لما لهما من أثر في تهذيب عقله بتحصيله للعلوم النافعة، وتهذيب نفسه بتحصيلها للخصال والصفات الأخلاقية الفاضلة، وهما الهدفان الرئيسيان اللذان من أجلهما ابتعث كل الرسل والأنبياء من أجل صلاح وهداية أمتهم، ومن قامت على أساسهما كل فلسفات المعلمين والمصلحين والحكماء على مدار التاريخ باختلاف أزمانهم ومرجعياتهم.

والتعليم والتربية عمليتان متكاملتان لكل منهما دور له حدود من حيث يبدأ وينتهى وعلاقته بالآخر، ويمكن أن يجمل القول في هذه العلاقة بداية بتوضيح أن التربية هي الهدف الرئيسي المطلوب للإنسان وصول غايته، وهو أن تتهذب نفسه وتترقى وتكتسب الفضائل الأخلاقية كالشجاعة والكرم والعفة، وترتبط بمصدر ومنبع كمالها وسعادتها، ويمتلأ فيها قلب الإنسان باستحضار معانى التوحيد والخضوع للأله، ولأن محل هذا الإيمان وهذه الكمالات هي القلب أو ما يعرفه بعض الفلاسفة بالنفس أو جوهر الإنسان فقد جاءت الأيات والأحاديث الدالة والمؤكدة على أن القلب هو محل الإيمان مثل قوله تعالى ( إلا من أتى الله بقلب سليم) ، ومثاله الحديث القدسي يقول فيه الله تعالى ( مَا وَسِعَنِي سَمَاوَاتِي وَلا أَرْضِي ، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ )
أما مرحلة التعليم فهي العملية الضرورية والمؤهلة بداية من حيث كونها هي الطريق أولاً لمعرفة مصدر الخير والسعادة والكمال الحقيقي، ثم معرفة الطريق المطلوب خوضه والسير على وفقه من أجل أحداث الآثر العملي المطلوب في التربية وتقويم السلوك سواء بالفعل أو الترك[1].، أى أن التعليم هو بداية الطريق للتربية والتكامل على مستوى النفس المتحلية بالأخلاق والكمالات.
وبشكل أكثر توضيحاً وتفصيلاً، فالتعلم والمعرفة يأتى من خلال اكتساب العلم النافع الذي يستطيع الإنسان من خلاله إدراك واقعه بشكل سليم والإجابة على تساؤل من أين وفي أين وإلى أين؟ أي معرفة مصدر وجوده والغاية من وجوده وبالتالي إدراك ما الذي ينبغي عليه فعله لتحقيق تلك الغاية وملاقاة ذلك المصير. فإذا أدرك الإنسان من خلال المعرفة السليمة اليقينية أن سبب وجوده هو الخالق واجب الوجود وأن غاية وجوده هو أن يتكامل ويسعد من خلال تقربه وارتباطه بمصدر هذا الوجود ، أدرك أن عليه أن يسعى للتكامل من خلال نفس البرنامج الذي أرسله إليه واجب هذا الوجود الأعلم بطريق سعادته وبمنهاج صلاحه، من هنا تبدأ مرحلة أخرى من التعلم والمعرفة باستكمال معرفته بملامح وإرشادات هذا الطريق، ليأتى بعدها دور التربية في حمل النفس وتدريبها على اتباع هذا الطريق من خلال مجاهدتها لتتبع أوامره واجتناب نواهيه.
فغاية مرحلة التعليم – التي هي وعاء العقل – هي في إدراك طريق التكامل والسعادة وكيفياته، وغاية مرحلة التربية – التي هي وعاء القلب – باستحضار معاني التصديق والإيمان.
ويمكن تمثيل تلك العلاقة رياضياً بأنها أشبه بالعلاقة الخطية التي تتكون من ثلاث مراحل، علم، ثم إيمان، ثم فعل. نوضح العلاقة فيها أولاً بين العلم والإيمان من ناحية، ثم بين الإيمان والفعل من ناحية أخرى؛
أولاً: في العلاقة بين العلم والإيمان
والتساؤلان محل البحث هما: ألا تكفى مرحلة المعرفة وحدها للوصول بالإنسان للسعادة كغاية منشودة؟ ومن جهة أخرى هل يمكن الوصول لحالة الإيمان دون أن يسبقها معرفة؟
والإجابة عليهما هي أن المعرفة بطريق التكامل والسعادة وحدها بمحض إدراك عقلي دون التصديق والإذعان القلبي – بأن يقر ويحضر في القلب التعلق والرغبة في إدراك هذه السعادة والإرتباط بمنشئها – لن تكفى لدفع الإنسان على الفعل والإلتزام بالسلوك لكي يصل إلى هدفه المنشود. فمثلًا قد يدرك الإنسان بعقله من خلال البراهين المنطقية أن الله هو الغني والكامل بالمطلق وأنه – الإنسان- هو الفقير والمحتاج بالمطلق، ولكن ينبغى أن تنتقل حالة المعرفة النظرية التي أدركها عقله إلى حالة الشعور والاستحضار القلبي الحقيقي لحالة الفقر والعجز والاحتياج الشديد [2]، عندها فقط يؤمن الإنسان ويقر داخل نفسه بحاجته إلى الإرتباط بهذا الخالق وضرورة العمل الذي يقربه منه، لأن صلاحه وسعادته لن تتحقق في البعد عنه وهو ما سبق له معرفته يقيناً.
ومن الجهة الأخرى فإن القلب يحتاج لمن يوجهه ويرشده إلى محل التعلق، فالتعلق القلبي إذا لم يسبقه معرفة حقيقية واقعية بالمصدر الحقيقي للسعادة لضل، وقد يتعلق بمصادر ومنابع وهمية يظن فيها سعادته على غير الحقيقة، مثل كثير ممن يشخص ويظن طريق سعادته في تحصيل الكمالات المادية فقط من طعام وشراب وراحة وتعظيم لذة الاستمتاع بها إلى أقصى حد.
أيضاً فبعض الشبهات في تلك العلاقة تتوهم ضرورة التحصل على درجة متقدمة ومتعمقة في المعرفة قبل أن يؤدى ذلك إلى إحداث الآثر الإيمانى واليقيني المطلوب ، وهو ما قد يجعل البعض يصرفون كثيراً من همهم في التعلم وطرق أبواب المعرفة – التي هي بطبيعتها غير محدودة ولن تنتهي – قبل الإذعان والتيقن من ضرورة السير وفق المنهج الإلهى لتهذيب النفس وتخلقها بالفضائل! والحقيقة أن ذلك غير صحيح فقدر العلم والمعرفة المطلوب دائماً هو القدر الكافى ليصل بكل إنسان إلى يقينه الخاص والذي يمكن أن يختلف من شخص إلى آخر، فبعض البسطاء تكفيهم معرفة بسيطة بمصدر الوجود – الله سبحانه وتعالى – تكفيهم ليقيموا على أثرها العبادات والمعاملات، وهناك غيرهم مما ترد على أذهانهم الكثير من الشبهات والإشكاليات التي يحتاجون فيها لمصادر معرفة متعمقة في الفلسفة وأصل الوجود، ولو كان من الضروري أن يتحصل الجميع على نفس قدر المعرفة لأصبح ذلك ظلماً لأصحاب السعة العقلية المتفاوتة في الفهم والإدراك. وهو ما يؤكد على أن الغاية الرئيسية دوماً هي الوصول لحالة الإيمان والتصديق القلبي، والتي قد تصل لنفس الشدة والتمكن من النفس سواء جاء ذلك بقدر يسير أو متعمق في المعرفة.
بالإضافة إلى أن تلك العلاقة بين العلم والإيمان وإن كانت بدايتها العلم فهي لا تخلو من علاقة في عكس الإتجاه يحدث فيها أن يفيض الله سبحانه وتعالى على عبده المؤمن والمتشبع قلبه بالإخلاص بمزيد من علمه في علاقة عكسية لتظل تلك الدائرة بين العلم والإيمان مستمرة لا تنتهي يصل فيها الإنسان إلى أقصى درجات كماله على مستوى القوتين النظرية والعملية وهي درجة الأولياء والمقربين أو كما أسماهم ابن سينا بـ”العارف المتنزه”[3] يقول (فكل حُجَّة كنتُ أنظر فيها أُثبت مقدِّمات قياسية، وأُرَتِّبُها في تلك الظهور، ثم نظرتُ فيما عساها تُنْتِج، وراعيتُ شروط مقدِّماته، حتى تحقّق لي حقيقة الحقّ في تلك المسألة، وكلما كنتُ أتحيَّر في مسألة ولم أكن أظفر بالحدِّ الأوسط في قياسٍ تردَّدْتُ إلى الجامع، وصلَّيْتُ وابتهلتُ إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسَّر المتعسِّر) [4]
ثانياً: فى العلاقة بين الايمان والفعل
وهنا ربما يتبادر إلى الذهن سؤال: إذا كان الفعل والسلوك العملي وفق برنامج الهداية هو اللازم لإحداث الأثر في النفس واستحضار الإيمان القلبي، ومن جهة أخرى فهذا التعلق القلبى ببرنامج الهداية وطريق السعادة هو الضرورة لدفع الإنسان نحو الفعل والسلوك، فكيف تكون البداية بين مرحلتي الإيمان والفعل إذا توقف كل منهما على الآخر ؟!
والإجابة أيضاً أن القضية ليست مستحيلة كما يتوهم إذ أنه يكفي في بدايتها وجود حالة من الإيمان بحد أدنى متمثلة في التصديق واليقين في كون هذا الطريق التوقيفى – الذي تم الوصول إليه بالمعرفة – هو المفضى والموصل للسعادة الحقيقية، وهو كاف ليترتب عليه الأثر والدافعية وتتولد من خلاله الإرداة الحرة للإنسان – الساعي بفطرته للكمال – في العزم على خوض طريق التربية والمجاهدة النفسية لتحصيل الكمالات الحقيقية، لتبدأ مرحلة الفعل والسلوك التي وإن بدأها الإنسان وهو في حالة تدريب ومجاهدة للنفس على استحضار تلك المعانى، فمع الوقت واستمرار الممارسة سيحدث التأثير المطلوب الذي تتأصل وتتعمق فيه تلك المعاني والكمالات الإخلاقية لتصبح ملكة لدى الإنسان يمارسها بلا أدنى تعب أو مجاهدة وتتوفر عندها حالة الاستحضار الدائم لمعانى الطمأنينة والخشوع والفقر المطلق دون أن يحتاج الإنسان للمرور بمواقف معينة باعثة على هذا الشعور ، وذلك في حركة عكسية عائدة أيضاً من الفعل إلى الإيمان.
[1] الفعل لما يوجب سعادة الانسان والترك لما يتسبب فى شقائه، وهى نفس دائرة ومنظومة افعل ولا تفعل، أو الأوامر والنواهى المتضمنة فى الشرائع السماوية والتى جاءت فلسفة تشريعها بناء على جلب المصلحة ودفع الضرر.
[2] ذلك الاستحضار الذى يشبه حال من يغرق أو يقف موقفاً عاجزاً فيه بالكلية عن شفاء أو انقاذ قريبِ له فيقر فى نفسه أنه لا يملك من أمره شيئاً ويشعر بالحاجة الشديدة الى التعلق بمصدر غيبى يرى فيه أنه صاحب القدرة والارادة المطلقة
[3] الإشارات والتنبيهات (شرح المحقق الطوسى) ص 353 – 354
[4] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 3/73، وابن خلكان: وفيات الأعيان 2/158.


Enregistrer un commentaire

 
Top