GuidePedia

0
على مختلف العصور تعاني المجتمعات من صور شتى من اضطرابات الإدراك والمغالطات الفكرية، فييسر لها الله المصلحين من الأنبياء وغيرهم يحاولون النهوض بالمجتمع مستعينين بالعلم النظري أولا وساعين لتطبيقه من خلال المعطيات المجتمعية ثانيا، ومن هنا فإنّ أي حالة تغيير ناجحة علي مدار التاريخ إنما اشتملت علي دائرتين: الأولى هي “مادة التغيير” وهي الأفكار أو المبادئ المطلوب تطبيقها، والثانية هي “طريقة التغيير” أو التطبيق العملي لهذه الأفكار، ومن الملاحظ أنّ دائرة “مادة التغيير” قد تحظى بثبات نسبي من حيث الأصل وكذلك من حيث الكم والكيف، فغالبا ما تدور حول إعلاء القيم والمبادئ واتّباع الحقائق وتأمين الوجود إلى غير ذلك، أما طريقة التغيير فهي مختلفة باختلاف المجتمعات بل مختلفة أيضًا خلال المجتمع الواحد، ومن خلال التقارب بين الدائريتن – دائرة مادة التغيير ودائرة التطبيق- ينشأ تقاطع يعرف تجاوزا بـ”نظري العملي” أو “فلسفة التغيير”، فهو ليس نظريا بحتا ولا عمليا بحتا، فهو يشبه إلى حد كبير مجموعة كبيرة من المواقف التي واجهها أهل هذه المدرسة وكيف تفاعلوا معها، وتكمن أهمية هذا الجزء في أنه يعد مرآة لما تحمله هذه المدرسة من أفكار حيث إنّ المدرسة قد تدعو إلى فضيلة وتخالفها في التطبيق -كدعوة تجريم السرقة ثم القيام بسرقة اللصوص كمعاقبة لهم-، كما أن فلسفة التغيير تعد مؤشرا لمدي فهم المتبنّين لفكر هذه المدرسة، وبذلك تتشكل هذه المدرسة وتدرس فيما بعد للمجتمعات اللاحقة من قبل معتنقيها والداعين لها.

واستنادا إلى أسلوب التفكير “الأبيض- أسود” أو “الكل أو لا شيء” فإن بعض أفراد مجتمعاتنا المنتمين لمدرسة ما يقعون بين أحد شخصين، فهو إما متجاهل كلية لطرق “تطبيق” هذه الأفكار منشغل بمادة التغيير فقط، وإما منصب علي “التطبيق” صبا في الوقت الذي لم يستوعب فيه المبادئ الأساسيه أو “مادة التغيير” لهذه المدرسة الفكرية – وكلا المثلين موجودان في مجتمعنا ويشكلان أكبر تيارين موجودين علي الساحة – فإما يدرسون مادة التغيير فقط وينتظرون حصول مواقف على مقياس ما فهموه دون السعي للتصرف ضمن المواقف والإمكانات المتاحة -انتظار الظروف لإحداث تغيير- مستهلكين وقتهم في دراسة شبهات من الأزمنة الغابرة بليت وبلي أصحابها، متصورين أنهم بذلك إنما يحفظون تراث مدرستهم الفكرية! وفريق آخر يسعون لاستغلال كل موقف متجاهلين أسس “مادة التغيير” أو المبادئ الاساسية للمدرسة التي ينتمون إليها، وبالمثال يتضح المقال، فبالنظر لعلم كعلم النحو فإنه قد يوجد رجل يجيد القواعد النظرية من رفع المبتدأ ونصب المفعول غير أنه لا يستطيع إعراب الجمل ولا يسعي له، ويستهلك وقته في تفنيد أقوال النحويين والردود عليها دون تجاوز ذلك إلى ما هو أهم منه، وآخر يضع التشكيل طبقا لهواه مستعينا بكونه يجيد صياغة كلامه وببلاغته دون فهم جيد لقواعد النحو وأصوله، ومن هنا نخلص إلى أهمية ربط ما نعرفه نظريا “مادة التغيير” بأسلوبنا في تطبيقه “طريقة التغيير” وإن كانت المسالة الأولى قد بذل فيها الباحثون مجهودا رائعا وصرنا نعرف التصور الذي نريده “مادة التغيير” لكن السؤال المهم وغير المجاب عنه في الوقت ذاته هو كيف السبيل لتحقيق ذلك في إطار يحافظ على ما أقررناه كـ”مادة للتغير”؟

Enregistrer un commentaire

 
Top